القرطبي

144

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لم تصرفه ، تقول : أتيته سحر يا هذا ، وأتيته بسحر . والسحر : هو ما بين آخر الليل وطلوع الفجر ، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض أول النهار ، لان في هذا الوقت يكون مخاييل الليل ومخاييل النهار . ( نعمة من عندنا ) إنعاما منا على لوط وابنتيه ، فهو نصب لأنه مفعول به . ( كذلك نجزى من شكر ) أي من آمن بالله وأطاعه . ( ولقد أنذرهم ) يعني لوطا خوفهم ( بطشتنا ) عقوبتنا وأخذنا إياهم بالعذاب ( فتماروا بالنذر ) أي شكوا فيما أنذرهم به الرسول ولم يصدقوه ، وهو تفاعل من المرية . ( ولقد راودوه عن ضيفه ) أي أرادوا منه تمكينهم ممن كان أتاه من الملائكة في هيئة الأضياف طلبا للفاحشة على ما تقدم ( 1 ) . يقال : راودته على ، كذا مراودة وروادا أي أردته . وراد الكلأ يروده رودا وريادا ، وارتاده ارتيادا بمعنى أي طلبه ، وفي الحديث : ( إذا بال أحدكم فليرتد لبوله ) أي يطلب مكانا لينا أو منحدرا . ( فطمسنا أعينهم ) يروى أن جبريل عليه السلام ضربهم بجناحه فعموا . وقيل : صارت أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق ، كما تطمس الريح الاعلام بما تسفي عليها من التراب . وقيل : لا ، بل أعماهم الله مع صحة أبصارهم فلم يروهم . قال الضحاك : طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل ، فقالوا : لقد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا ؟ فرجعوا ولم يروهم . ( فذوقوا عذابي ونذر ) أي فقلنا لهم ذوقوا ، والمراد من هذا الامر الخبر ، أي فأذقتهم عذابي الذي أنذرهم به لوط . ( ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر ) أي دائم عام استقر فيهم حتى يفضي بهم إلى عذاب الآخرة . وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم وجعل أعلاها أسفلها . و ( بكرة ) هنا نكرة فلذلك صرفت . ( فذوقوا عذابي ونذر ) العذاب الذي نزل بهم من طمس الأعين غير العذاب الذي أهلكوا به فلذلك حسن التكرير . ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ) [ تقدم ( 2 ) ] قوله تعالى : ولقد جاء آل فرعون النذر ( 41 ) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر ( 42 )

--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 73 . ( 2 ) زيادة من ى .